كمال الدين دميري
182
حياة الحيوان الكبرى
فيض « « 1 » ، فأرسلتها مثلا فلما قضى أمرت به فدفن . وأما عمرو فكان يخرج كل يوم إلى ظهر الحيرة يطلب الخبر ، ويقتفي من خاله الأثر ، فخرج ذات يوم ، فإذا فارس قد أقبل ، تهوي به الفرس هوي الريح ، فقال عمرو بن عدي : أما الفرس ففرس جذيمة وأما الراكب فكالبهيمة « لأمر ما جاءت العصا » ، فأرسلها مثلا ، فأشرف قصير فقال : ما وراءك ؟ قال : سعى القدر بالملك إلى حتفه ، على الرغم من أنفي وأنفه . ثم قال لعمرو بن عدي : أطلب بثأرك من الزباء ، فقال عمرو : وأنى يطلب من الزباء وهي « أمنع من عقاب الجو » « 2 » فأرسلها مثلا . فقال له قصير : قد علمت نصحي لخالك ، وكأن الأجل طالبه ، وأنا واللَّه لا أنام عن الطلب بدمه ، ما لاح نجم أو طلعت شمس ، أو أدرك به ثأرا ، أو تخترم نفسي فأعذر . ثم إنه عمد إلى أنفه فجدعه . وقال ابن هشام : إن قصيرا قال لعمرو : اجدع أنفي واقطع آذاني ، واضرب ظهري حتى يؤثر فيه ، ودعني وإياها ، ففعل به عمرو ذلك . وذكر الأخباريون أن عمرا أبى عليه ففعل هو بنفسه ذلك ، فقيل : « لأمر ما جدع قصير أنفه » « 3 » . قال ابن الجوزي : ثم إن قصيرا لحق بالزباء هاربا من عمرو بن عدي ، فقيل لها : هذا قصير ابن عم جذيمة ، وخازنه وصاحب أمره ، قد أتاك هاربا ، فأذنت له وقالت : ما الذي جاء بك إلينا يا قصير ، وبيننا وبينك دم عظيم الخطر ؟ فقال : يا ابنة الملوك العظام ، لقد أتيت فيما يأتي فيه مثلي إلى مثلك ، ولقد كان دم الملك ، يعني أباها ، يطلب جذيمة حتى أدركه ، وقد جئتك مستجيرا من عمرو بن عدي ، فإنه اتهمني بخاله لمشورتي عليه في المسير ، إليك فجدع أنفي ، وأخذ مالي ، وجلد ظهري ، وقطع آذاني ، وحال بيني وبين أهلي ، وتهددني بالقتل ، وإني خشيت على نفسي ، فهربت منه إليك ، وأنا مستجير بك ، ومستند إلى كنف عزك . فقالت له : أهلا وسهلا ، لك حق الجوار ، وذمة المستجير . وأمرت به فأنزل ، وأجرت له النفقات ووصلته وكسته وأخدمته ، وزادت في إكرامه . فأقام مدة لا يكلمها ولا تكلمه ، وهو يطلب الحيل عليها ، وموضع الفرصة منها ، وكانت ممتنعة بقصر مشيد على باب النفق تعتصم به ، فلا يقدر أحد عليها ، فقال لها قصير يوما : إن لي في العراق مالا كثيرا ، وذخائر نفيسة مما يصلح للملوك ، فإذا أذنتني في الخروج إلى العراق ، وأعطيتني شيئا أتعلل به في التجارة ، واجعله سببا إلى الوصول إلى مالي ، أتيتك بما قدرت عليه من ذلك . فأذنت له وأعطته مالا فقدم به إلى العراق ، وأخذ مالا جزيلا ، ثم رجع إلى الزباء ، وقد استصحب من ظرائف العراق ولطائفها وزادها مالا كثيرا إلى مالها . قال : فلما قدم عليها ، أعجبها ذلك وأبهجها وعظمت منزلته عندها ، ثم إنه عاد إلى العراق ثانية ، وقدم عليها بأكثر من النوبة الأولى ، وزادها أضعافا من الجوهر والخز والبز والقز والديباج ، فازداد مكانه منها ، وعظمت منزلته عندها ، ورغبتها فيه ولم يزل قصير يتلطف في الحيلة ، حتى عرف موضع النفق الذي تحت الفرات ، والطريق إليه . ثم خرج ثالثة ، فقدم بأكثر من المرتين الأوليين ظرائف ولطائف ، فبلغ مكانة عظيمة منها ، حتى إنها كانت تستعين به في مهماتها ،
--> « 1 » المستقصى : 2 / 178 . « 2 » جمهرة الأمثال : 1 / 234 . « 3 » مجمع الأمثال : 2 / 196 .